أكاديمي يهاجم قرار جامعة الملك سعود بوقف تخصصات إنسانية

أثار قرار جامعة الملك سعود الأخير بوقف القبول في عدد من التخصصات الإنسانية البارزة موجة من النقاشات الواسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية. وفي هذا السياق، عبر أستاذ الجغرافيا الدكتور بدر الفقير عن استيائه الشديد من هذه الخطوة، واصفاً إياها بأنها بمثابة “إعدام مؤسسي”. وقد شمل هذا التوجه تخصصات عريقة وذات أهمية بالغة في تشكيل الوعي المجتمعي، مثل اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلوم الإنسانية في مؤسسات التعليم العالي.
الجذور التاريخية للعلوم الإنسانية في التعليم العالي
لفهم أبعاد هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي لتأسيس مؤسسات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية. تُعد جامعة الملك سعود، التي تأسست في عام 1957، أول جامعة في المملكة، وقد لعبت منذ نشأتها دوراً ريادياً في تخريج الكفاءات الوطنية في شتى المجالات. كانت كليات الآداب والعلوم الإنسانية من الركائز الأساسية التي قامت عليها الجامعة، حيث ساهمت في الحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية والتاريخية للمجتمع. إن تخصصات مثل اللغة العربية والتاريخ ليست مجرد حقول دراسية، بل هي أوعية تحفظ ذاكرة الأمة وتصوغ هويتها الحضارية عبر الأجيال المتعاقبة، وتساهم في بناء فكر نقدي مستنير.
أبعاد وتداعيات قرار جامعة الملك سعود على المجتمع
يأتي قرار جامعة الملك سعود في وقت تشهد فيه أسواق العمل العالمية والمحلية تحولات جذرية نحو التخصصات التقنية والعلمية البحتة. ومع ذلك، يرى الأكاديميون والخبراء، ومنهم الدكتور بدر الفقير، أن الأمم المتقدمة لا تبني استراتيجياتها التعليمية والجامعية على أسس ربحية بحتة أو استجابة لحظية لمتطلبات السوق المادية فقط. فالعلوم الإنسانية والاجتماعية تلعب دوراً حاسماً في بناء التفكير النقدي، وفهم الديناميكيات المجتمعية، وتعزيز التماسك الوطني. إن تهميش علم الاجتماع والجغرافيا، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى فجوة في فهم التحولات الديموغرافية والبيئية والمكانية التي يمر بها المجتمع المحلي والإقليمي، وهي علوم أساسية للتخطيط التنموي السليم.
الموازنة بين متطلبات سوق العمل والحفاظ على الهوية
من الناحية الإقليمية والدولية، تتجه العديد من الجامعات المرموقة إلى دمج العلوم الإنسانية مع التخصصات العلمية بدلاً من إلغائها، إيماناً منها بأن المهندس أو الطبيب أو المبرمج يحتاج إلى وعي ثقافي واجتماعي ليكون فاعلاً ومؤثراً في مجتمعه. إن التأثير المتوقع لتقليص برامج العلوم الإنسانية قد يمتد ليشمل نقصاً في الكوادر المؤهلة للعمل في قطاعات حيوية مثل الثقافة، السياحة، التراث، والإعلام، وهي قطاعات تشهد نمواً متسارعاً واهتماماً كبيراً ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030. لذلك، تبرز الحاجة الماسة إلى إيجاد حوار أكاديمي ومجتمعي لإعادة تقييم مثل هذه القرارات، لضمان تحقيق توازن استراتيجي يلبي احتياجات التنمية الاقتصادية الحديثة دون المساس بالأسس الثقافية والفكرية التي تمنح المجتمع هويته واستقراره على المدى الطويل.




