المشهد الثقافي الخليجي: رد نقدي على مقال علي بدر

لم تكن المقالة الأخيرة للروائي العراقي علي بدر، المعنونة بـ«المثقفون العرب ودول الخليج: حين انتقل المال ولم ينتقل التاريخ»، مجرد قراءة قاصرة للواقع الراهن، بل جاءت كسقطة معرفية مدوية تكشف عن «وقاحة مفاهيمية» فجة. إنها الوقاحة التي تجرد الثقافة والأدب من أسمى وظائفهما: تهذيب الخطاب، والتحرر من النرجسية الشوفينية، والانعتاق من أسر الأيديولوجيات البائدة. لقد كشفت المقالة عن عقلية استعلائية لا تقرأ المشهد الثقافي الخليجي إلا بعيون الماضي المأزوم، متدثرة بعباءة «نخبوي» زائفة لم يزدها الأدب إلا صلفاً وتنكرًا للحقائق.
جذور التحول: السياق التاريخي للمراكز الثقافية العربية
لفهم هذه الإشكالية بعمق، يجب أن نضع الأمور في سياقها العام والخلفية التاريخية للحدث. تاريخياً، لم تكن المراكز الثقافية العربية جامدة أو حكراً على بقعة جغرافية واحدة؛ فقد تنقلت شعلة التنوير والإبداع بين عواصم متعددة مثل القاهرة، بيروت، وبغداد، تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إن انتقال الثقل الثقافي اليوم ليس بدعة، بل هو امتداد طبيعي لحركة التاريخ. منذ عهد المعلقات وشعرية الصحراء الأولى، كانت الجزيرة العربية هي مصدر المعنى الأول وموئل لغته ومجازاته. واليوم، يعود هذا الفضاء الجغرافي ليقود المشهد، ليس بوصفه «مديراً» أو «ممولاً» كما يزعم بدر باختزاله الفج، بل بوصفه منتجاً حقيقياً وصانعاً متفوقاً للمعنى، روائياً، وشعرياً، ونقدياً.
تفكيك الاستعلاء: قراءة في سيكولوجية النخب الآفلة
إن هذا الإصرار على اختزال الخليج في جغرافيا «المنصة والمال»، ونفي قدرته على إنتاج «التاريخ والمعنى»، لا يمكن تفسيره أدواتياً إلا عبر تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي يصدر عنها هذا الخطاب. في علم الاجتماع النقدي، يفكك بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابه المرجعي «التميز: النقد الاجتماعي للحكم» (1979) كيف تحاول النخب الآفلة استخدام ما تسميه «الشرعية التاريخية» أو «الأصالة الثقافية» كنوع من العنف الرمزي لحماية امتيازاتها القديمة المهددة. يرى بورديو أن النخب عندما تفقد أدوات السيطرة الفعلية، تلجأ إلى صناعة تراتبية وهمية تقصي بها القادمين الجدد، معتبرةً أن إنتاجهم الثقافي مجرد «محاكاة» تفتقر للعمق.
هذا السلوك الهجومي يتقاطع بنيوياً مع ما أسماه الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكس شيلر (Max Scheler) في كتابه «الضغينة في بناء الأخلاق» (1912) بـ«الإنقاص القيمي اللاشعوري». حيث يرى شيلر أن العاجز عن مضاهاة تفوق الآخر أو مواكبة صعوده الحيوي، يلجأ لا شعورياً إلى «بخس قيمة» منجزات هذا الآخر وإرجاعها حصراً إلى عوامل مادية بحتة (كالمال)، كآلية دفاعية نفسية لحماية ذاته المتضخمة من الشعور بالدونية وفقدان المركزية.
المشهد الثقافي الخليجي: ريادة الإبداع وصناعة المعنى
وعلي بدر في مقالته يمارس هذا الإنقاص القيمي بكل حذافيره؛ فهو لا يجهل الأسماء الروائية والشعرية والنقدية الخليجية التي ملأت الساحة العربية إبداعاً وتميزاً طوال ربع القرن الأخير، بل يتجاهلها عمداً. إنه تجاهل مسبق الصنع، لأن الاعتراف بها يعني بالضرورة انهيار أطروحته الهشة، واعترافاً قسرياً بأن «المركز» التقليدي الذي يتباكى عليه قد تفتت وتوزع، وأن الشرعية الإبداعية تُكتسب بالنص لا بالبطاقة الجغرافية.
التأثير الإقليمي والدولي للإنتاج المعرفي المعاصر
إن صعود هذا الحراك يحمل أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من النطاق المحلي إلى الإقليمي والدولي. فعلى سبيل المثال، يُقاد المشهد الترجمي العربي اليوم في أنصع صوره وأكثرها حيوية وعمقاً بواسطة مترجمين شبان من أبناء هذه الجغرافيا الخليجية. هؤلاء الشباب لا يتنكرون لمن سبقهم في رقعة الوطن العربي الكبير، ولا يمارسون قطعاً معرفياً مع الحواضر الأخرى، بل يؤمنون بعقلية ناضجة أن إنتاج المعنى هو فعل تراكمي مستمر. هذا الحراك يخلق جسوراً متينة مع الثقافات العالمية، مما يعزز من الحضور العربي في المحافل الدولية، ويقدم للعالم صورة معاصرة تتجاوز النمطية الاستشراقية القديمة.
سقوط الأيقونات وإعادة تدوير الرماد
وهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية بالعودة إلى منجز علي بدر وسيرته الثقافية؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بروايات تحاكم الأيديولوجيات وصناعة الأيقونات الزائفة والتمركز حول الذات النخبوية -مثل «بابا سارتر» و«شتاء العائلة»- يسقط اليوم في الفخ ذاته الذي ادعى طوال مسيرته تفكيكه. يتحول الروائي «الحداثي» فجأة إلى حارس لبوابة معبد قديم مهدم، ليمارس «سلفية ثقافية مقيتة» لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي سلفية دينية متطرفة: كلاهما يسكن القبور، وكلاهما يرفض الاعتراف بالزمن وتحولاته.
إنك يا علي بدر، وبعد كل هذه السنين، تثبت أنك لا تقرأ بعقلك، بل تراقب وتحلل من خلال عدسة موجهة مسبقاً، استقر فيها وقرُ النخب العربية التقليدية التي أخطأت تاريخياً بحق نفسها وبحق شعوبها في القرن الماضي فأوردتهم المهالك بالشعارات الجوفاء والأوهام الاستعلائية. لقد عجزت هذه النخب عن صناعة واقع مستقر في أوطانها، فاستكثرت على الآخرين أن يصنعوا منجزاً وثقافة وتاريخاً مشرقاً يتجاوز أخطاء الماضي.
عليك أن تعيش زمنك لا زمن أسلافك. عليك أن تتخلى عن هذه الشوفينية الثقافية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. الخليج اليوم ليس بحاجة لصك غفران ثقافي من نخب تعيش على أطلال القرن العشرين؛ فالقوافل الإبداعية الخليجية تسير، تنتج، تترجم، وتصنع التاريخ حقيقةً لا مجازاً، بينما لم يتبقَ للمستعلين سوى إعادة تدوير الرماد.




